الشيخ محمد رشيد رضا
326
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عنه بترجمة أعجمية يغنيهم عنها تفسيره بلغتهم ، مع المحافظة على نصه المتواتر ، المحفوظ من التحريف والتبديل - مع مراعاة الاختصار فنقول : ( 1 ) إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية تطابق الأصل متعذرة كما يعلم من المسائل الآتية . والترجمة المعنوية عبارة عن فهم المترجم للقرآن ، أو فهم من عساه يعتمد هو على فهمه من المفسرين ، وحينئذ لا تكون هذه الترجمة هي القرآن ، وإنما هي فهم رجل للقرآن يخطئ في فهمه ويصيب ، ولا يحصل بذلك المقصود المراد من الترجمة بالمعنى الذي ننكره ( 2 ) إن القرآن هو أساس الدين الاسلامي ، بل هو الدين كله ، إذ السنة ليست دينا الا من حيث إنها مبينة له . فالذين يأخذون بترجمته يكون دينهم ما فهمه مترجم القرآن لهم ، لانفس القرآن المنزل من اللّه تعالى على رسوله محمد ( ص ) والاجتهاد بالقياس انما هو فرع عن النص ، والترجمة ليست نصا من الشارع ، والاجماع عند الجمهور لا بد أن يكون له مستند والترجمة ليست مستندا . فعلى هذا لا يسلم لمن يجعلون ترجمة القرآن قرآنا شيء من أصول الاسلام ( 3 ) ان القرآن منع التقليد في الدين وشنع على المقلدين فأخذ الدين من ترجمة القرآن هو تقليد لمترجمه ، فهو إذا خروج عن هداية القرآن لا اتباع لها ( 4 ) يلزم من هذا حرمان المقتصرين على هذه الترجمة مما وصف اللّه به المؤمنين في قوله ( 12 : 108 قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) وأمثالها من الآيات التي تجعل من مزايا المسلم استعمال عقله وفهمه فيما أنزل اللّه « 1 » ( 5 ) كما يلزم حرمانهم من هذه الصفات العالية يلزم منع الاجتهاد والاستنباط من عبارة المترجم ، لأن الاجتهاد فيها مما لا يقول به مسلم ( 6 ) ان من يعرف لغة القرآن وما يحتاج اليه في فهمه كالسنة النبوية وتاريخ الجيل الأول الذي ظهر فيه الاسلام يكون مأجورا بالعمل بما يفهمه من القرآن
--> ( 1 ) أعني كقوله تعالى في أول سورة الأعراف ( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) والمنزل الينا من ربنا هو القرآن العربي كما صرحت به الآيات . فاتباع الترجمة مخالف لكل من الامر والنهي في هذه الآية